مصطفى صادق الرافعي

41

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

أما اشتراط موافقة العربية على أي وجوهها ، فذلك إطلاق يناسب ما قدمناه من أمر الفطرة ، ومن أجله كان صحيحا أن لا يعوّل أئمة القراءة في أمر الجواز على ما هو أفشى في اللغة وأقيس في العربية ، دون ما هو أثبت في الأثر وأصحّ في النقل ؛ لأن العرب متفاوتون في خلوص اللغة وقوة المنطق فإن قرءوا فلكل قبيل نهجه . وأما موافقة رسم أحد المصاحف العثمانية ، فذلك لما صح عندهم من أن الصحابة رضي اللّه عنهم اجتهدوا في الرسم على حسب ما عرفوا من لغات القراءة فكتبوا ( الصراط ) مثلا في قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ بالصاد المبدلة من السين ، وعدلوا عن السين التي هي الأصل ، لتكون قراءة السين ( السراط ) إن خالفت الرسم من وجه ، فقد أتت على الأصل اللغوي المعروف ، فيعتدلان ، وتكون قراءة الإشمام « 1 » محتملة لذلك « 2 » . وأما اشتراط صحة الإسناد فهو أمر ظاهر ما دامت القراءة سنة متّبعة ، وكثيرا ما ينكر بعض أهل العربية قراءة من القراءات ؛ لخروجها عن القياس ، أو لضعفها في اللغة ؛ ولا يحفل أئمة القراءة بإنكارهم شيئا ؛ كقراءة من قرأ : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ بسكون الهمزة ، ونحوها مما أحصوه في كتبهم . وأول من اشتهر من القراء بالشواذ ؛ وعني بجمع ذلك واستقصائه وإظهاره دون الصحيح ؛ أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي في أواخر المائة الثانية ، فقد جمع قراءة نسبها إلى الإمام أبي حنيفة رحمه اللّه ، ومنها إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وقد أكذبوه في إسناده وجعلوه مثلا بينهم في القراءات الموضوعة المردودة . ثم اجترأ الناس على القرآن بما فشا من مقالات أهل الزيغ والإلحاد بعد المائة الثانية ، ولكن ذلك لم يتناول قراءته ، بل تناول مسائل من أمر الاعتقاد فيه ؛ ثم ظهر ابن شنبوذ المتوفى سنة 228 ه - ، وكان رجلا كثير اللحن قليل العلم ، فيه سلامة وحمق وغفلة ؛ فكان من أشهر القراء بالشواذ ، ثم أخذ في سبيله أبو بكر العطار النحوي المتوفى سنة 354 ، وكان من أعرف الناس بالقراءات ، وإنما أفسد عليه أمره أنه من أئمة نحاة الكوفيين ، فخالف الإجماع وصنع في ذلك صنعا كوفيّا . . . فاستخرج لقراءته وجوها من اللغة والمعنى ، ومن ذلك قراءته في قوله تعالى :

--> ( 1 ) أي إشمام السين صوت الزاي ؛ وهي قراءة معروفة . ( 2 ) في رسم المصحف كلام طويل ؛ فقد أحصى علماء القراءة كل ما فيه من نحو ما مثلنا به ، واعتلوا له بوجوه حسنة في القراءات ، وإنما حملهم على النظر في ذلك والاستقصاء له أن الرسم من وضع زيد ابن ثابت ، وهو كان أمين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وكاتب وحيه ، وعلم من هذا العلم ما لم يعلم غيره بدعوته عليه الصلاة والسلام فكأنما كتب بتوفيق كالتوقيف .